ابن الجوزي

182

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

حاجب الباب ، وقتل من أولئك خياط من سوق الثلاثاء ، وصاح أصحابها على باب النوبي المستنصر باللَّه : يا منصور ، تهمة للديوان بمعرفة الحنابلة ، وتشنيعا عليه ، وغضب أبو إسحاق الشيرازي ، ومضى إلى باب الطاق ، وأخذ في إعداد أهبة السفر ، فأنفذ إليه الخليفة من ردّه عن رأيه ، فبعث الفقهاء أبا بكر الشاشي وغيره من النظام يشرح له الحال ، فجاء كتاب النظام إلى الوزير فخر الدولة بالامتعاض مما جرى ، والغضب 91 / ألتسلط الحنابلة على الطائفة الأخرى ، وإني / أرى حسم القول في ما يتعلق بالمدرسة التي بنيتها في أشياء من هذا الجنس . وحكى الشيخ أبو المعالي صالح بن شافع عن شيخه أبي الفتح الحلواني وغيره ممن شاهد الحال : أن الخليفة لما خاف من تشنيع الشافعية عليه عند النظام أمر الوزير أن يجيل الفكر فيما تنحسم به الفتنة ، فاستدعى الشريف أبا جعفر ، وكان فيمن نفذه إليه ابن جردة فتلطف به ابن جردة [ 1 ] حتى حضر في الليل ، وحضر أبو إسحاق ، وأبو سعد الصوفي ، وأبو نصر ابن القشيري ، فلما حضر الشريف عظمه الوزير ورفعه ، وقال : إن أمير المؤمنين ساءه ما جرى من اختلاف المسلمين في عقائدهم وهؤلاء يصالحونك على ما تريد . وأمرهم بالدنو من الشريف ، فقام إليه أبو إسحاق ، وقد كان يتردد في أيام المناظرة إلى مسجده بدرب المطبخ ، فقال له : أنا ذاك الَّذي تعرف ، وهذه كتبي في أصول الفقه ، أقول فيها خلافا للأشعرية ، ثم قبّل رأسه فقال الشريف : قد كان ما تقول ، إلا أنك لما كنت فقيرا لم يظهر لنا ما في نفسك فلما جاءك الأعوان والسلطان وخواجا بزرك أبديت ما كان مخفيا . ثم قام أبو سعد الصوفي فقبّل يد الشريف وتلطف [ به فالتفت ] الشريف [ 2 ] مغضبا وقال : أيها الشيخ ، أما الفقهاء فإذا تكلموا في مسائل الأصول فلهم فيها مدخل ، فأما أنت فصاحب لهو سماع وبغتة ، فمن زاحمك على ذلك وعلى ما نلته من قبول عند أمثالك حتى داخلت المتكلمين والفقهاء ، فأقمت سوق التعصب .

--> [ 1 ] « فتلطف به ابن جردة » سقطت من ص . [ 2 ] في ص : « فقبل يد الشريف فالتفت الشريف » . وفي الأصل : « فقبل يد الشريف وتلطف الشريف » .